صديق الحسيني القنوجي البخاري

205

أبجد العلوم

كان محفوظه شعر حبيب « 1 » أو العتابي ، أو ابن المعتز ، أو ابن هانئ ، أو الشريف الرضي ، أو رسائل ابن المقفع ، أو سهل بن هارون ، أو ابن الزيات ، أو البديع « 2 » أو الصابئ ، تكون ملكته أجود وأعلى مقاما ورتبة في البلاغة ممن يحفظ شعر ابن سهل « 3 » من المتأخرين ، أو ابن النبيه ، أو ترسّل البيساني « 4 » ، أو العماد الأصفهاني ، لنزول طبقة هؤلاء عن أولئك ، يظهر ذلك للبصير الناقد صاحب الذوق . وعلى مقدار جودة المحفوظ أو المسموع تكون جودة الاستعمال من بعده ، ثم إجادة الملكة من بعدهما . فبارتقاء المحفوظ في طبقته من الكلام ترتقي الملكة الحاصلة ، لأن الطبع إنما ينسج على منوالها ، وتنمو قوى الملكة بتغذيتها . وذلك أن النفس وإن كانت في جبلتها واحدة بالنوع فهي تختلف في البشر بالقوة والضعف في الإدراكات ، واختلافها إنما هو باختلاف ما يرد عليها من الإدراكات والملكات والألوان التي تكيفها من خارج ، فبهذه يتم وجودها ، وتخرج من القوة إلى الفعل صورتها . والملكات التي تحصل لها إنما تحصل على التدريج كما ذكرنا . فالملكة الشعرية تنشأ بحفظ الشعر ؛ وملكة الكتابة بحفظ الأسجاع والترسيل . والعلمية بمخالطة العلوم والإدراكات والأبحاث والأنظار . والفقهية بمخالطة الفقه ، وتنظير المسائل وتفريعها ، وتخريج الفروع على الأصول . والتصوفية الربانية بالعبادات والأذكار ، وتعطيل الحواس الظاهرة بالخلوة ، والانفراد عن الخلق ما استطاع ، حتى تحصل له ملكة الرجوع إلى حسه الباطن وروحه ، وينقلب ربانيا ، وكذا سائرها . وللنفس في كل واحد منها لون تتكيف به ، وعلى حسب ما نشأت الملكة عليه من جودة أو رداءة تكون تلك الملكة في نفسها . فملكة البلاغة العالية الطبقة في جنسها إنما تحصل بحفظ العالي في طبقته من الكلام . ولهذا كان الفقهاء وأهل العلوم كلها قاصرين في البلاغة ، وما ذلك إلا لما يسبق إلى محفوظهم ويمتلئ به من القوانين العلمية والعبارات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة والنازلة عن الطبقة ؛ لأن العبارات عن القوانين والعلوم لاحظ لها في البلاغة . فإذا سبق ذلك المحفوظ إلى الفكر ، وكثر وتلونت به النفس جاءت الملكة الناشئة عنه في غاية القصور ، وانحرفت عباراته عن أساليب العرب في كلامهم . وهكذا نجد شعر الفقهاء والنحاة والمتكلمين والنظار وغيرهم ممن لم يمتلئ من حفظ النقيّ الحرّ من كلام العرب .

--> ( 1 ) هو أبو تمام الطائي حبيب بن أوس . ( 2 ) أي بديع الزمان الهمذاني . ( 3 ) أي إبراهيم بن سهل . ( 4 ) أي القاضي الفاضل ، واسمه عبد الرحيم بن علي البيساني .